محمد بن جرير الطبري
132
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يعني من بني إسرائيل ، ويعني بالكتاب الذي أوتوه من قبلهم التوراة والإنجيل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم ، قال : جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود ، فقال : يا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر ، فقال عبد الله : هلك من لم يعرف قلبه معروفا ، ولم ينكر قلبه منكرا ، إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد ، وقست قلوبهم اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم ، استهوته قلوبهم ، واستحلته ألسنتهم ، وقالوا : نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب ، فمن آمن به تركناه ، ومن كفر به قتلناه ؛ قال : فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن ، ثم جعل القرن بين ثندوتيه فلما قيل له : أتؤمن بهذا ؟ قال : آمنت به ، ويوميء إلى القرن الذي بين ثندوتيه ، ومالي لا أؤمن بهذا الكتاب ، فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن . ويعني بقوله : فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ما بينهم وبين موسى صلى الله عليه وسلم ، وذلك الأمد الزمان . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : الْأَمَدُ قال : الدهر . وقوله فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ عن الخيرات ، واشتدت على السكون إلى معاصي الله وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يقول جل ثناؤه : وكثير من هؤلاء الذين أوتوا الكتاب من قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فاسقون . القول في تأويل قوله تعالى : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا . . . يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ يقول تعالى ذكره : اعْلَمُوا أيها الناس أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ الميتة التي لا تنبت شيئا بَعْدَ مَوْتِها يعني : بعد دثورها ودروسها ، يقول : وكما نحيي هذه الأرض الميتة بعد دروسها ، كذلك نهدي الإنسان الضال عن الحق إلى الحق ، فنوفقه ونسدده للإيمان حتى يصير مؤمنا من بعد كفره ، ومهتديا من بعد ضلاله . وقوله : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يقول : قد بينا لكم الأدلة والحجج لتعقلوا . وقوله : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامه قراء الأمصار ، خلا ابن كثير وعاصم بتشديد الصاد والدال ، بمعنى أن المتصدقين والمتصدقات ، ثم تدغم التاء في الصاد ، فتجعلها صادا مشددة ، كما قيل : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يعني المتزمل . وقرا ابن كثير وعاصم " إن المصدقين والمصدقات " بتخفيف الصاد وتشديد الدال ، بمعنى : إن الذين صدقوا الله ورسوله . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان صحيح معنى كل واحدة منهما فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . فتأويل الكلام إذن على قراءة من قرأ ذلك بالتشديد في الحرفين : أعني في الصاد والدال ، أن المتصدقين من أموالهم والمتصدقات وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يعني بالنفقة في سبيله ، وفيما أمر بالنفقة فيه ، أو فيما ندب إليه يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ يقول : يضاعف الله لهم قروضهم التي أقرضوها إياه ، فيوفيهم ثوابها يوم القيامة ، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ يقول : ولهم ثواب من الله على صدقهم ، وقروضهم إياه كريم ، وذلك الجنة . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ . . . أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يقول تعالى ذكره : والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله ، فصدقوا الرسل وآمنوا بما جاءوهم به من عند ربهم ، أولئك هم الصديقون . وقوله : وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ اختلف